كِدْتُ أَمُوْتُ قَبْلَ لَحظَاتٍ مِيْتَةً لَيْسَ كَمِثْلِهَا مِيْتَة!
جَلاءٌ مِنْ عَلى سَطْح الأَرْضِ، وَتَحَوّلٌ إلى أَشْلاَءْ
كَانَتْ كِسَراً مِنْ شَفَقِ الانْتِظَارِ، أوْ اخْتِزَالاً لِذَرّاتِ خَوْفٍ بَلّوْرِيّ
سَبَبُهُ فِرَاقٌ رُوْحِيّ.
,
يَزْدَادُ العَصْفُ بي مَعَ كُلِّ مَرّةٍ يَتَرَددُ عَلَى مَسْمَعي فيْهَا:
"إنّ الهَاتفَ المطلوْب لا يمْكِنُ الاتّصَالُ بِهِ الآن، فَضْلاً أعدْ المكَالمَة!"
فَيَزْدَادُ القَلْبُ نَبْضَاً، وَتَزْدَادُ الجرَاحُ جرَاحَاً
وَقَهْوَةُ صَبَاحَِي مَرَارَةً، وَالأَيّامُ اسْوِدَادَا.
بَحَثْتُ عَنْ بَقَايَاً مِنِّي.
لمْ أَجِدْ جُزْءَاً صَامِدَاً مِنْ ذَاكَ الدَّمَارَ الذَّاتيَّ إلاّ مَنْبَعَهْ:
"قَلْبِي"
,
لَرُبّمَا كُسِرَت مَزْهَرَيّةٌ، وَلَرُبَّمَا مَاتَتْ وَرْدَةٌ بِدَاخِلِهَا عَاشَتْ مَرْوِيَّة
وَقَدْ أثْبَتَت الشُّهُوْرُ حَقِيْقَةْ
ألا وَهْي، بِأنّني وَقَلْبِي (المَزْهَرَيّة) وَهُو وَقَلْبه (الوَرْدَة)!
،
صُدْفَةٌ! أَوْ في الوَاقِعِ، حُزْمَةٌ مِنْ الصُّدَفِ، قَذَفَتْ بي مَرّةً في أَرَاضِي الحِرْمَانْ
بَعِيْدَةً عَنْهُ، وَأُخْرَى جَمَعَتْنِي بِهِ يَوْمَاً في أَرَاضٍ لا يُخَبّأ فِيْهَا إِنْسٌ وَلاَ يَخْبُو جَانْ
فَجْأَةً، وَبَعْدَ أنْ قَالَ لِسَاني مَا قَالْ
وَاسْتفْحَلَت غِمَارُ الأحْوَالْ
اسْتيْقظْتُ لأَجِدَ مَكَانَ إِقَامَتي قَابَ مَدِيْنَتَيْن أو أَدْنَى.
والسَبَبُ حَتّى اللّحْظَة، خَوْفٌ يَقُوْدُهُ في رِحْلَةٍ جَوْيّةٍ إلى دَوْلَةٍ بَعِيْدَةٍ عَنْ وَطَنِهِ "أنا"
،
لمْ تَكْتَمِل تِلْكَ الرِّحْلَةُ، فَمَعَالِمُهَا مَطْمُوْسَة،
وَلَكِنّي أَلْحَظُ قَبْلَ اكْتِمَالِهَا
حُكْماً عَلَيْهَا، بِالإعْدَامِ حُزْنِاً، وَيَالَلأَسَفْ!
،
ليْتَهُ يَعْلَمُ مِقْدَارَ أَمَلِي مَعَ تَوَالي نِدَاءَاتي لَهْ
أَوْ عَلَى الأَقّل، مُجَرّدَ تَفْكِيْرِي في مَدَى الحُلْمْ!
لَيْسَ أكثَرَ مِنْ انْبِثَاقِ شِعَاعٍ في لَيْلٍ حَالِكْ
اسْتَبْهَمَ عَلَيَّ مَصْدَرُهُ، وَكَأَنّهُ يَنْبَعِثُ مِنْ أبْعَدِ سَمْتٍ في السّمَاءْ
إلَى أَعْمَقِ غَوْرٍ في الأَرْضْ
لِيُرْشِدَ طِفْلَةً تَائِهَةً، وَيُنِيْرَ دَرْبَهَا المُظْلِمْ.
مِقْدَارَ صِدْقِي مَعَ نَفْسِي،
قَبْلَ أَنْ يَكوْنَ مَعَهُ، تَخَطّى كُلَّ حُدُوْدِي
كنْتُ أُحَادِثُهُ بِلُغَةٍ مُوْسِيْقِيّةٍ تَفِيْضُ أَلحَانُهَا حَتّى في حُزْنِي
تَرْتَفِعُ أَنْغَامُهَا مَعَ اقْتِرَابِ هُطُوْلِ حَرْفٍ عَلَى أَرْضِي
فَيَنْقَلِبُ مَا يَسْقُطُ إلَى أَوْتَارٍ مَرِنَةٍ أَتَرَاقَصُ عَلَيْهَا
وَأُبْعِدُ كُلَّ مَنْ حَوْلِهِ عَنْهُ لأَبْقَى وَحْدِي مَعَهْ
وبَعْدَ كُلِّ ذَلَكَ لمْ أَجِدْ أَنَايَ إلاّ مَقْذُوْفَةً رَأسِيّةً إِلَى دَرَكٍ بَعِيْدٍ عَنْهْ.
أَعُوْدُ وَحِيْدَةً أَتَسَاءَلُ: مَاذَا جَنَيْتَ يَاقَلْبِي مِنْ الإنْدِفَاعِ سِوَى سَعَادَةً مُتَبَايِنَة
وَفُتَاتَاً مِنْ المِلْحِ وَلُغَةً بَعِيْدَةً عَنّي
أَصْبَحَتْ لي يَنْبُوْعَاً يُزَوّدُنِي بِحُرُوْفِ فَلْسَفَتِي
التي يَشْرَبُ مِنْهَا أَيُّ عَاشِقٍ ظَمْآنٍ بِِاسْتِثْنَاءِهْ
فَهْو الوَحِيْدُ الّذِي أُرْوِيْه مِنْ نَهْرِ جَنَّةٍ لا يَظْمَأُ بَعْدَ شُرْبِهِ وَلا يَشْقَى!
وَدِدْتُ الاعْتِذَارْ
فَمَا بِيَدِي وَأَمَامَ حَدَقَتَيَّ سِوَاهْ
وَلَكِنْ، هَلْ يَنْفَعُ الأَسَفْ؟
سَأُحَمّلَنِي ذَلِكَ الرّجَاءَ الخَائِبْ
وَأَطْرَح قَلْبِي وَمَا مَعَهُ مِنْ بَقَايَا آمَالٍ مُحَطّمَةٍ بَيْنَ يَدَيّ الوَقْتْ
تَظْهَرُ خِيَانَةٌ، أَجْزِمُ بِبَرَاءَتي مِنْهَا، بِالرَّغْمِ مِنْ دَفْعِي الثّمَنْ
وَبَقَائِي عَلَى أِثْرِ رَجَاءٍ انْقَطَعَ، وَقِطْعَةً مُلَثّمَةً مِنْ الذِّكْرَى،
كُلُّ ذَلِكَ وَمَازَالَ لِلدَّفْعِ بَقِيَّة.
مَا عَجِزْتُ عَنْ تَفْسِيْرِهِ هُوَ أَنّ قَدَرِي لِهَذِهِ اللّحْظَةِ يَقُوْدُنِي إِلَيْهِ سَيْرَاً عَلَى الأَيْدِي!
بِالرَّغْمِ مِنْ تِكْرَارِ اللّقَاءَاتِ، لا بُدَّ مِنْ الابْتِعَادْ؟
وَبَعْدَ السَّفَرِ وَامْتِدَادِ كُلِّ حِبَالِ الوَصْلْ،
كُلُّ عَامٍ وَهُوَ وَأَنَا قَرِيْبَيْنْ!
لمْ يَبْقَ لِلقَمَرِ إِلا أَنْ يَمُدَّ مِنْ أَجْلِي جِسْرَاً، لأَرْتَقِي وُصُوْلاً إِلَى رُؤْيَتِهْ
وَمَعَ كُلِّ خَيْطِ نُوْرٍ يَتَدَفّق،
أُرْسِلُ بَسْمَةً هِيَ في الأَصْلِ دَمْعَةٌ لمْ تَجِدْ مَدّ وُجُوْدِهَا في قَلْبِي
الآن، لَيْسَ أَمَامَ وَرْدَتي إلا أَنْ تَمُوْتَ وَتَتّخِذَ مِنْ بَقَايَا القَمَرِ كَفَنَاً تلُوْكُ ذَاتَها في شِعَاعِهِ كَأَنّهَا نُقْطَةً حَمْرَاءَ،
قُطّرَتْ مِنْ مَدَادِ المَوْتِ، عَلَى صَفْحَتِهِ البَيْضَاءْ.